محمد بن أحمد الفاسي
184
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
فلما كان بعد ذلك ، ورجع عمرو إلى مكة ، دخل المسجد للطواف ، فمرّ بمجلس من قريش ، فنظروا إليه وتكلموا ، فقال لهم : قد رأيتكم تكلمتم حين رأيتموني ، فما قلتم ؟ قالوا : تكلمنا فيك ، وفي أخيك هشام ، أيّكما أفضل ؟ قال : أفرغ من طوافى وأخبركم . فلما انصرف من طوافه ، أتاهم ، فقال : أخبركم عنى وعنه ، بيننا خصال ثلاث : أمه بنت هشام بن المغيرة ، وأمي أمي . وكان أحبّ إلى أبيه منى ، وفراسة الوالد في ولده فراسته ، واستبقنا إلى اللّه عز وجل ، فسبقني . وذكره ابن عبد البر فقال : كان قديم الإسلام ، أسلم بمكة ، وهاجر إلى أرض الحبشة ، ثم قدم مكة حين بلغه مهاجرة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فحسبه أبوه وقومه بمكة ، حتى قدم بعد الخندق على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وكان أصغر سنّا من أخيه عمرو ، وكان فاضلا خيرا ، ثم ذكر قول عمرو بن العاص فيه ، حين سئل عنه بزيادة ، وهو أنه قال بعد قوله : واستبقنا إلى اللّه تعالى فسبقني : أمسك علىّ السترة حتى تطهّرت ، وتحفظت . ثم أمسكت عليه ، حتى فعل مثل ذلك ، ثم عرضنا أنفسنا على اللّه تعالى ، فقبله وتركني . ثم قال : وقال الواقدي : حدثنا عبد الملك بن وهب ، عن جعفر بن يعيش ، عن الزهري ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة ، قال : حدثني من حضر أن هشام بن العاص قال : ضربت رجلا من غسان ، فأبدى منحره ، فكرّت غسان على هشام ، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه ، فلقد وطئته الخيل ، حتى كرّ عليهم عمرو ، فجمع لحمه فدفنه ، قال : وحدثني ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، قال : لما انهزمت الروم يوم أجنادين ، انتهوا إلى موضع لا يعبره إلا إنسان إنسان ، فجعلت الروم تقاتل عليه ، وقد تقدموه وعبروه ، فتقدم هشام بن العاص ، فقاتلهم حتى قتل ، ووقع على تلك الثّلمة فسدّها ، فلما انتهى المسلمون إليها ، هابوا أن يوطئوه الخيل ، فقال عمرو بن العاص : أيها الناس ، إن اللّه استشهده ، ورفع روحه ، وإنما هي جثة ، فأوطئوه الخيل ، ثم أوطأه هو ، ثم تبعه الناس حتى قطّعوه ، فلما انتهت الهزيمة ، ورجع المسلمون إلى العسكر ، كرّ إليه عمرو ، فجعل يجمع لحمه وأعضاءه وعظامه ، ثم حمله في نطع ، فواراه . روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، أنه قال : « ابنا العاص مؤمنان : عمرو وهشام » . رواه محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، قال : وقتل هشام بن العاص بالشام يوم أجنادين ، في خلافة أبى بكر ، سنة ثلاث عشرة . وروى ابن المبارك عن أهل الشام ، أنه استشهد يوم اليرموك . انتهى .